فرس وخيال في ربوع نيسان

فرس وخيال في ربوع نيسان

;}

alt

كما تحتاج الارض الى المطر، يحتاج الانسان الى الحرية ،ليكتنه معنى وجوده ،ويحتاج الى العشق ،ليتذوق طعم الحياة. فكما عشق البابليون، عشتار لجمالها. وجعلوا منها نجمة الصباح ،والمساء. عشق الأحوازيون الاحواز ،فجعلوا منهاأميرة الملاحم.وأي عشق يضاهي ،عشق الوطن.. أحواز المنشأ والمنتهى. واي هدف ،اسمى من الحرية، والتحرر. لاجل أميرة الملاحم، هام العشاق لعقود، ولم يتوبوا ولن يتوبوا.. من أجلها، أسرجت الخيول، وسنت السيوف. وتأهب   الأحرار للذود عنها.لأجل عيناها ،استشهد خيرة الفرسان في أعتى الملاحم. لأجل أديمها الزكي ،سالت دماء الأحرار دون توقف ،وصارت دفقا من طهر، ومن نور. ورسمت أبهى اللوحات والبطولات. لأجل عزتها، وشرفها خط التاريخ اسمها، بحروف من نور وذهب.ضيفنا فارس من فرسان الاحواز الأصلاء.وهو المناضل الاستاذ يوسف يعقوب جراح مزرعة من مواليد قرية "ابوحمَيظة"من مدينة الخفاجية سنة 1967 ترعرع في القرية، وعايش الظلم والاضطهاد الايراني منذ نعومة اظافره. فالتحق "بتنظيم العاصفة" سنة 1984وبعد 3 سنوات من العمل السري ،ضمن مجموعة من شباب الاحواز، بغية التوعية وبث الوعي ،والمحافظة على الهوية العربية . اكتشفوا نشاطته  ورفاقه والقي عليه القبض سنة 1987. وحكم عليه بالسجن لمدة21 عاما. ولكن افرج عنه بعد 8 سنوات سنة 1995،شريطة عدم مزاولته لأي نشاط سياسي ، بعد ذلك تزوج ولكن عاش حالة من القلق لرصده ومتابعته من قبل اجهزة الامن الايراني لمدة 15 عاما .حتى خروجه من ايران في اغسطس عام 2010 حيث طلب اللجوء من الامم المتحدة في اندونسيا.وبعدها في نوفمبر 2012، تم توطينه في نيوزيلندا مع زوجته واطفاله الثلاث. وهوالان من طلاب جامعة فيكتوريا في العاصمة النيوزيلندية ،يتابع احد اجمل احلامه ،الا وهو طلب العلم في المهجر

لماذا يغتالون الخيول الاصيلة وهل تنتهي الفروسية باغتيالها حدثنا عن تجربتك والتجارب التي عاصرتها؟

 اتذكر خيولنا الاصيلة، وهي من اجمل الصافنات والجياد العربية، حينما كنا على ضفاف "نهر الكرخة"، في قريتنا "النفاشة"، من ضواحي الخفاجية.  في الاحواز المحتلة، و كان في بيت جدي " الحاج جراح الزيارة"، (كنا نسكن جميعا مع اعمامي و جدي في بيت واحد) اثنين من تلك الخيول العربية الجميلة، الاولى  "الصقلاوية" والثانية "الكحيلة". وكنت امتطي تلك الجياد الاصيلة، في صغر سني مع جدي، او والدي وكنا نذهب للصحراء، لقنص الطيور البرَية معا بالبارودة. وكانت خيولنا الاصيلة، غاية في الروعة، والجمال. وكان جدي وعمي " ابا سعيد" فازا بتلك الخيول، في بعض المسابقات العشائرية، في الخمسينات من القرن الماضي. حسب ما قال لي والدي عن تأريخ خيولنا العربية، ولا انسى تلك اللحظات التي كنت المس جلدها الناعم، وكأني الان في تلك الاوانة، اتحسس الاصالة، من خلال اصابعي، التي كانت تشتبك على شعرالصقلاوية الطويل. وانا في الثالثة من عمري. جالسا امام ابي، على ظهرالفرس الجميلة، ذات البقع الدكناء الصغيرة، على جلدها الفضي و رأسها المرفوع ذات المنخرين العريضين، واذنيها الصغيرتين، وذلك الذيل الطويل، السبيب السميك، كشعر الغجريات  وكانت من ميزات خيولنا، انها لا تخشى البنادق حينما تطلق النار عليها. وكانت عادة ما تحمل الفرسان، في عمليات الكر والف،ر ضد التحصينات، و التجمعات التابعة للاحتلال الايراني. في الثورات المتتالية، التي ظهرت بعيد مجئ الاحتلال. فكانت الخيول، والرجال تقاتل جنبا الى جنب، وكانت الفرسان تتفاخر بها. وكان هناك العديد ، من فصائل الخيول الاصيلة ،في الاحواز علاوة على الصقلاوية والكحيلة منها "الوذنة" و" النصبة" و "العبية". وهي من احسن الجياد. و اكثرها جمالا ،ورشاقة، وخفة في الحركات، والاداء، و سرعة و تجاوبا مع الفرسان ،و ذكاءا حادا لا يعقل من حيوان، واتذكربعض القصص، من ذكاء جيادنا الاصيلة، التي سردها لي والدي عنها تشبه الخيال.....

نعم، انها الخيول الاصيلة ،التي اوجعت الاحتلال. فكانوا كلما لاقوا فوجا، من الخيالة الاحوازيين، صوبوا البنادق، على الخيول اولا لكي يقتلوها. حتى يسقط  الفارس منها، فيقتلوه، او يأسروه، لأنها ان بقت تحمل الفارس، بسرعة لا تستطيع آليات العدو، و سياراته الوصول اليه. في السهول، والمروج الخضراء حينما كانوا يتابعون الثوار في القرى والارياف وهكذا استطاعوا اخماد الثورات الاحوازية، العارمة بدأ من ثورة القائد "محي الزيبق" ومن ثم "يونس العاصي" وبعده "حيدر الطليل" الذين قاموا بثورات عارمة، واستطاعوا جمع المئات من الفرسان ولكنهم لم يحققوا اهدافهم. لأن الة القمع الايرانية كانت مسلحة، بالسلاح المتطور في زمنها. فقصفتهم بالدبابات، والمدفعية والطائرات. وقتلت الكثير، من الخيول العربية الاصيلة ،وفرسانها، في هذه الحروب، فانحسرت المقاومة، في القرى والارياف، وبدل الثوار تكتيكهم، وتفرقوا الى فصائل عدة واستعانوا  بالغابات، والاهوار للاختباء ولازالت الجياد الاصيلة ،شريكتهم في القتال حتى ذلك الوقت....  كانت حرب العصابات، هذه قد ارهقت قوات الاحتلال كثيرا، وكانوا يسمون مفردات الفرسان ،بال "فراريها"، و هي تعني "الفارين من قوات الاحتلال الايراني" في لغة الفرس، ودخلت هذه الكلمة، قاموس الثورة الاحوازية. و عرَبها الاحوازييون حتى اصبحت "فراريه"، و ترادفت كلمة "الفرارية" مع كلمة " الثوار". و ظهرت الاساطير من بطولات الاحوازيين، كأمثال " حته الكعبي،" و الاخوان "موزان و بريج الضبع" في تلك الاونة. حيث ادخلوا الرعب في قلوب الاحتلال الفارسي، و المستوطنين الفرس، الذين جلبهم الاحتلال، وكانت شدة الرعب من الثوار، امثال حته لدرجة ان المستوطنين، اذا ارادوا  ان يخيفوا اولادهم، ويمنعوهم من البكاء، اوالضجيج، قالوا لهم "اسكت، والا جاءك حته". وهكذا استطاع الاحوازيون، ضرب العدو مستعينين بخيولهم السريعة، في حرب العصابات ان يكبدوا الاحتلال الفارسي، خسائر فادحة بالارواح والمعدات ولكن الاحتلال، اضاف الى جرائمه جريمة اخرى حيث احرق الاهوار، والغابات الشاسعة ،على ضفاف الانهر الاحوازية حتى لا تكون ملاذا، ومكمنا للمقاتلين ولذلك رويدا رويدا، قضوا على الفروسية، والفرس، والفرسان ،وحتى يومنا هذا لا تستطيع ان تجد الا القليل من الخيول العربية، الاصلية، لأنها كانت ومازالت، ترمز للصمود، والتحدي لدى الاحوازيين طيلة القرن المنصرم.

ولو نظرنا بالمعنى الاخر، لسوف نجد بالمجاز ان  الثوار، الان لا يختلف دورهم عن دور الخيول العربية، فكل من تحسس الاصالة. وثار ليقف ضد الاحتلال، واراد ان يوصل برسالة الى الشعب، بدمه، و ايثاره على نفسه، فأنه في الواقع يرمي بنفسه للمنايا، كما كانت الجياد الاصيلة، تفعل ذلك مع فارسها لكي توصل رسالة للاعداء، مفادهااننا صامدون...اجل، لم يبقى لدينا الكثير، من الخيول الاصايل. ولكننا لازلنا نحتفظ بها كتحف، من قديم الزمن. و ميراث من الاجداد نتوارثها جيلا بعد جيل.

النخلة شموخ وعز لماذا يحرقونها؟ هل حقدا على النخلة ام حقدا على كل ما يرمز على الى عروبة الاحواز؟

كانت النخلة، و مازالت رمزا للعروبة، و انها تعد عنصرا مثمرا من ماضي، و حاضر ومستقبل العرب. لاسيما في الاحواز المحتلة. التي كان فيها الملايين من اشجار النخيل، على ضفاف الانهر، والخلجان الاحوازية، بصورة عامة خاصة في مدن المحمرة، وعبادان، و كذلك الفلاحية، ومن بعدها الخفاجية .وعلى ضفاف الانهر الاحوازية الاربعة الكبيرة. وهي شط العرب، وكارون والكرخة والجراحي، ناهيك عن بساتين النخيل ،المتواجدة على ضفاف الخليج العربي، في الخلجان الصغيرة. وايضا في الجزر في محافظتي ابوشهر وجرون الاحوازية. المطلة على الخليج العربي، في الساحل الشرقي، ناهيك ،عن تواجد النخلة حتى في المناطق الصحراوية الاحوازية. في الواحات، والقرى، والارياف النائية وحتى، في الشمال الاحوازي، في المناطق المتاخمة لأراضي البختيارية، واللر. وفي عمق الجبال، تجد النخلة الاحوازية راسية جذورها في عمق الارض، تمتص منها الحضارة والثقافة، والتراث، وترويها للاحوازيين. كما كانت تفعل من قدم التأريخ، وعلى مر العصور...

ان للنخلة الاحوازية، صنوفا مختلفة اشهرها القنطار والبريم والبرحي والسعمران والديري واليوزي. و تشتهر التمور الاحوازية، بجودتها العالية, وتصدر الى كثير من دول العالم خاصة الخليج العربي، ولكن الاحتلال الايراني، وسياساته اللاانسانية حرمت الاحوازيين من النخيل بعد ان اجرت مشاريع عدة، لسرقة مياه الانهر الاحوازية، وحرفتها الى العمق الايراني ,وقتلت النخيل، عطشا ناهيك عن الاثار الناجمة من الحرب الايرانية العراقية. في ارض الاحواز، والتي قضت تقريبا، على اكثر بساتين النخيل في مدن عبادان والمحمرة...نعم، انهم قتلوا ويقتلون النخلة ،لأنها ليس لانها مصدر رزق للاحوازيين، ويريدون قطعه، فحسب بل انما هي حضارة وهوية، للانسان الاحوازي تعرفه، وتؤكد على عروبته، في سعفها، الذي يستخدم في بناء المضائف الاحوازية .وخوصها، الذي يعد من اهم المواد، للصناعات اليدوية الاحوازية .وكربها، الذي يستخدم للطبخ والتدفئة، وليفها الذي يعد كثير الاستعمال، في الخبز والطهي. وجمَارها ما احلاه، واطعمه . وثمرتها، التي من اثرى الفواكه، والمواد الغذائية .و دبسها، الذي يشابه العسل في الطعم والمذاق. وحتى جذوعها الخاوية، التي تبني بها الجسور للمارة، على الانهر الصغيرة. وكل ما يتعلق بها، فهو يواكب الانسان الاحوازي ويحيى ويموت معه .في الوقت الراهن ولا عجب، ان تتضرر النخلة الاحوازية، من الاحتلال، وتعاقب كما عاقب النظام الايراني الاحوازيين، لأنها تعد شريكة الاحوازيين، في "الهوية " ورفيقته على مر العصور.  

 كارون يروي ظمأ الاحواز، فهو كالعاشق المخلص لماذا يسرقون مياهه والى اين؟

سألتني  لماذا يسرقون المياه، وهل تعني المياه غير "الحياة"..انهم يسرقون الحياة، حياة الاحوازيين، لكي يهدروها في  المدن الایرانیة بثمن زهيد، لكي يرشوها في النافورات لكي تنعش الهواء عليهم ولربما لغسيل سياراتهم الفارهة التي اشتروها من سرقة نفط الاحواز، او لربما لمسابحهم المليئة بالاثام التي يحملونها في رقابهم من ذمم الاحوازيين، لا ادري حتي اني اشك انهم يغتسلون بها لكي يطمئنوا الملائكة الكاتبين بالدجل المعهود عنهم، انهم "ابرياء" في محاولة لاثبات برائتهم من درن الذنوب التي يحملون اوزارا منها من قديم الزمان ومن حيث اتوا ومتى اتوا واتى الشر معهم واتى الكذب معهم واتى الفقر معهم واتى الحقد .لا ادري، لهم من المياه كفاية، و عندهم انهار و ثلوج، وعيون وقنوات للري، والامطار الكثيفة والكافية. ولكنهم  يسرقون من الاحوازيين، كل مايملكون حتى الماء لربما كانت اخر حيلة، لهم لقتل الاحوازيين  عطشا، او لربما يريدونهم ان يتبعوا الماء ويهاجروا الى العمق الايراني، عسى ان يجاوروا ما سرق منهم من حياة....! لا اعلم بالضبط ماذا ينوون، ولماذا يسرقون، ولكني اعلم انهم قتلوا النخلة حينما سرقوا الماء ،ولم تعد تتمايل النخلة الشامخة، كالسابق لأن جذورها جافة ككربها، و تبدل سعفها الاخضر، بلون الليمون والزعفران، ولم تعد تتلاعب به الريح كالسابق، و لربما دخل الخريف عليها من غير اذن بسبب الجفاف.....

لا ادري لماذا يسرقون المياه، ولكني اعلم ان "سمكةالعنزة" رحلت من كارون. ولم يصطد  احد العنزة  في الاونة الاخيرة ولم يرها الصيادون في النهر. ولا يعلم احدا الى اين ذهبت هذه السمكة العملاقة، التي كانت مصدر رزق للاحوازيين، تتواجد في الانهر الاحوازية الكبيرة. خاصة في كارون اعتاد الصيادون على اصطيادها، وعلى التحديات التي كانوا يواجهونها في اعماق النهر،اثناء اصطيادها تحت الصخور وفي التضاريس الجوفية للنهر التي تشكل ،مطبات عظيمة تبتلع الصيادين في بعض الاحيان، وتقتلهم لعمق المياه وشدة جريانها ولكن الان، لم تعد تصطاد العنزة لأن المياه صارت ضحلة ولم تعد هناك مساحة كافية، للتعايش وتتكاثر تلك السمكة النادرة. فكيف تستطيع الحياة سمكة العنزة التي تعد من اكبر انواع سمك المياه العذبة في العالم يصل طولها احيانا الى 3امتار و وزنها يفوق المئتي كيلوغرام..؟....

نعم انهم يسرقون المياه لكي يموت الاحواز عطشا من انسانه ونخلته وخلجانه وعنزته وطيورالنورس في شواطئ انهره وذاك الهرير الناجم من تسارع الامواج في الكهوف المائية والتضاريس والخوراة المهيبة وسطوته، يسرقونها كلها لكي لا يبقى للاحوازيين مما يملكون شيئا و ذكريات تربطهم بماضيهم العريق. و تجعل لقصصهم الفولكلورية معنى يتعرف عليها الجيل الجديد ولكنهم مخطؤون، لأن الذي قلته سابقا منقوش في ذاكرتنا و تعودنا ان نتوارثه في قلوبنا جيلا بعد جيل كسيف جدي المرصع و خنجره ذو الرأس الملتوي و عكازته التي لا زالت ترو ي لنا القصص والحكايات.

الفضاء الرحب الذي يتنفس منه الاحوازيين ملوث بغبار قاتل وهل يمنع على الاحوازيين تنفس الهواء النقي؟

كانت ليالي الاحواز، معروفة بهوائها النقي وذاك النسيم الشمالي الذي يأتي بالصيف، من الاهوار المحيطة التي تحيط بالاحواز. من كل جانب، فكان الهواء نقيا  وكان السماء صافية في النهار، مليئة بالنجوم في الليل. واتذكر لمحة من تلك النجوم اللماعة في سماء اليل ،اذ كانت تغمزني بأستمرار، وكنت احاول ان اعدها، ولكن في كل مرة كنت افشل لكثرتها، ولدنوها بعضها من بعض. وكانت هناك النجوم الصفراء، والحمراء، وحتى احيانا خضراء، وكنت اكلمها احيانا حينما استلقي على ظهري، ولم يأتيني النعاس في "الطروالة" (صرح طيني للمنام في القرية في الصيف). فكنت انظر الى القمر حيث يضيء القرية بالكامل،. بعض الاحيان وكان القمر شاحبا معظم الاوقات، وكانت تروي لي جدتي منه القصص وكانت النسمة الشمالية، تداعب وجهي حتى اغفو لجانب "جدَتي" وانا بالسادسة من العمر. و ما ان استيقظ الا ان تؤذيني حرارة شمس الصباح اللاذعة، فبعدها اجلس لكي افطر في الصباح بالخبز الحار، التي تخبزه والدتي، و الحليب او البيض المقلي وما ان اتم اللقمة الاخيرة، الا واسرع راكضا للعب مع الاطفال......

نعم ،كانت السماء صافية زرقاء في النهار، وكان الهواء حارا ولكنه منعش. لم تستنشق منه السموم، و الافات ولم تكن الايام مغبرة مثل الان،  وكان هواء الشتاء مثاليا وكنا نعرج على الصحراء بعد المطر، والرعد والبرق، لكي نجمع "الفطر البري" او "الفقع" .ونلتقطها من جوانب الانهر، والساقية التي تسقي المزارع .و يضا نجمع الخضار البرية. ونأكلها اونأتي بها الى البيت. او  نصطاد الاسماك الصغيرة في الجداول المائية، او العصافير في البساتين، التي تحيط القرية ومتى ما شعرنا بالحر، او التعب غطسنا ،في تلك الجداول المائية. وسبحنا بها حتى ننتعش بفضل برودة الماء، وكنا نقضي وقتا ممتعا في تلك الايام .وكانت الشمس شديدة الحرارة،  و نحن نركض ونلعب حفاة، ولكن الارض لم تكن حارة لأنها مليئة بالاعشاب، عدا الطريق الذي يمر للمدينة، كان حارا لسبب انه عار من النباتات والاعشاب، وتستخدمه السيارات، والناس للذهاب والاياب فكنا نتحاشاه لأنه حار يحرق ارجلنا في الصيف....

كان الهواء نقيا، حيث يجعلك تتنفس بكل ما اوتيت من قوة بعد الركض واللعب، واللهث، في المطاردات الصباحية. وكنا نأوي الى البيوت في منتصف الظهيرة. لأننا لا نطيق حرارة الشمس. بعد ذلك نخلد مرة ثانية للنوم، لكي نستجمع قوانا لجولة ثانية من المطاردات في العصر. وقبل الغروب ولأننا لم يكن هناك كهرباء، فكنا نستعمل المهاف  او مروحة السعف،للترويح و حين نتعب . نغفوا في زاوية من الغرف الطينية، او نبقى مستيقظين نستمر باللعب في البيوت ،حتى تنزل الشمس ويخير قواها بعد صلاة العصر. فنخرج مرة ثانية في الهواء الطلق ،لكي نلعب ونسرح ونمرح حتى الليل..ولكنهم اتوا واتت الغيوم السوداء معهم، واتت المواد السامة معهم .ولم نعد نجمع الفطر البري. اونصطاد السمك في الجداول .لأنه اصلا لم يعد هناك جداول، قتلوا الارض والطبيعة. وقتلوا الهواء، بعد ان سرقوا المياه و جفت اهوارنا. و ماتت شواطئنا ،ولن نستطيع بعد الان ان نركض حفاة. ونلعب لأنهم قتلوا زرع الارض، ولم نستطع ان نرى السماء الزرقاء. صبغوها فصارت  دكناء .لم نعد نرى ا فيها شيئا مثيرا، ولا حتى في الليل حيث  الظلمة والعتمة، لم تعد هناك نجوما تتغامز لأطفالنا، ولا قمرا مضيء نستلهم منه قصصنا، حبسوا المطر ايضا ،ولم ترعد وتبرق السماء لم يكن فيها شئ مثير. لا تجد فيها صفاءا،ولا طيورا. لأنها هاجرت، ولم تعد بسبب جفاف الارض، و شح المياه .و لكن هناك الكثير من الابنية والمنشآت الصناعية، التي تنفث السم في الهواء، وتجد خيوط الدخان من المنشآت النفطية، والكيماوية والصناعات التابعة لها تنتشر في الاحوازمن كل الجوانب. لماذا؟؟؟لأنهم يريدون النفط وبأي ثمن!!! يجب عليهم الاسراع في سرقة كافة مخزون النفط، في الاحواز، وكذلك الغاز لكي يغتنموا ما يستطيعون من غارتهم، هذه على ارض العرب. و يجردونها من كافة ثرواتها الطبيعية، ولا ضير ان امتلئت السماء دخانا ولاضير ان تلوث الهواء ، واشبع بالغبار ولاضير ان لم يرى الاحوازيون  السماء الزرقاء،  ولا ضير انلم تتغامز النجوم  لأطفال الاحواز، و لتبقى الجدةالاحوازية صامتة. ولا تقص القصص، عن القمر فيما بعد....... 

الماء ملوث يتدفق مختلطا بالتراب وهل امام الاحوازيين خيار الا ان يشربوه، ام ان يموتوا عطشى؟

 قصة الماء، فهي قصة حزينة كقصة الهواء النقي،  ولربما اكثر دراماتيكية منه، لأن الهواء بأمكانه التجدد في السماء، والهبوب، ولربما الهروب من ايران. ولكن مصيبة الماء اعظم، لأنهم حبسوه خلف السدود، ومنعوه من الجريان والنزول من اعلى الجبال، لكي يدخل السواقي الاحوازية، و لكي لا تسقي النخيل والاهوار ولكي يقتلوا العنزة والقطان(سمك الانهر) ، ولكي يحرموا الصبيان من السباحة .ولكي يشربونا فضلات منشآتهم النفطية، و مجاري مستوطناتهم اللاشرعية، ولكي يجبرونا على الرحيل...

ولكن هيهات ان نرحل، ولو متنا عطشا ولا نتراجع قيد انملة عن ارضنا مهما حاولوا، وكذلك مهما فعلوا لن نستسلم للأمر الواقع. لأننا تعودنا ان نتجلد في المصائب، وأن لا نرضخ بسهولة و نحن ابناء العرب ،ابناء الصحراء و ما الماء عندنا ،الا للري وللمزارع،  والبساتين، والبيئة والاهوار، وهم يعلمون ذلك جيدا ولكنهم لا يعادون الانسان الاحوازي، فحسب بل يعادون الارض والانسان. لأن الارض، هي التي تغذي الانسان وتربيه، فعليهم معاداتها .والماء هو احد اكبر الاعداء لهم، فحبسوه لكي لا ينزل الى مراعينا ،جافة لا ينبت بها نبات، ولكي لا تستطيع مواشينا بها تقتات، فيحرمونا من الزراعة، و الرعي لكي يقطعوا، علينا مصادر الرزق ولكي يجبرونا على الرحيل، والهجرة من اجل المياه. او السكن في جوار مستوطناتهم الغنية ،والمجهزة بكل الوسائل المتاحة للترفيه، عسى ان يحسنوا علينا بفتات، ما عندهم من نعم، ولكنهم يخسؤون.......

ان مراعينا وان جفت،  لا تزال تنبت بالاشواك، ونبات الخرنوب الذي لا يحتاج الى الماء، ولسوف نطعم احشاءنا منه. ولسوف تتعود احشاءنا عليه. واما نحن فسوف نصوم من الماء، ولا نشرب الى عند الضرورة، و لا نتسوَل منهم المياه ولسوف نحفر الابار، لكي نصل الى المياه ونفعل المستحيل حتى نبقى في ارض اجدادنا، ولا نسلمها للاحتلال ونحن لا ننفك نتذكر الحسين "عليه السلام"، وعطشه كل سنة ونتذكر ان العطش لم يكن دليلا للأستسلام، ولسوف نستمر بثورتنا ضد الاحتلال، مهما كلف ذلك وسنصمد بكل قوة

  الامراض المتنوعة والمختلفة من جراء بيئة غير صحية وملوثة و المستشفيات تفتقر للاجهزة اللازمة؟

  ماذا بوسعي ان اقول غير " انَا لله وانا اليه راجعون" فالامراض المعروفة والغير معروفة شائعة في الاحواز والموت يفتك بالاحوازيين، بشتى الطرق . والعامل الاساسي هو تلوث الارض، والماء، والسماء فالمنشئات التابعة للاحتلال، من مصانع النفط ،والغاز والبترو كيماويات، والمحطات الكبيرة لتوليد الطاقة، وايضا المنشآت النووية في "دارخوين". والمفاعل النووي في "ابوشهر". كلها مصائب جمة، على الاحواز واهله .وكلها ضمن، خطة مدبرة تهدف للابادة الجماعية، ضد الاحوازيين. و تتكون هذه الخطة الشريرة، من عدة نقاط اولها تلويث الجو والارض والمياه بالمكونات الخبيثة، كيمياويا وجرثوميا، تليها الاشعاعات النووية،  ثم  المرحلة الثانية وهي عدم انشاء  مستشفيات متخصصة للأمراض الخبيثة،وان وجدت فهي تخلو من ابسط المستلزمات الطبية. وفي مرحلة ثالثة  التستر على الارقام، المتعلقة بالمصابين، بأنواع الامراض الخبيثة ، والمعدية المعروفة والغير معروفة، وعدم السماح للبعثات الدولية لتقصي الحقائق، حتى يموت الاحوازيون شيئا فشيئا، في مجزرة جماعية صامتة. يقتل فيها اطفال الاحواز، والنساء والعجزة، بطريقة دنيئة علاوة على قتل النشطاء بالرصاص، والاعدامات المستمرة و تأتي كل هذه الجرائم

 في اطار تلك الخطة المشؤومة، الهادفة الى اخراج الاحوازيين من ديارهم، و تكملة التغيير الديمغرافي في الاحواز المحتلة لكي لا يكون العنصر العربي،  ذا الاغلبية الساحقة. ولكي يكون الاحتلال الايراني، هو المسيطر على الارض والانسان....ولكن مرة ثانية هيهات ثم هيهات لن يترك الاحوازيين ارضهم وديارهم بسهولة ولن يتركوا ، حتى ولو هاجروا، واستوطنوا الغربة فأنهم لن يتهاونوا مع الاحتلال. وسوف يعودوا الى وطنهم بأذن الله، مرفوعين الرأس ولا يتنازلوا عن حقوقهم المشروعة في الارض، والسماء والمياه الاحوازية ،و سوف تعود الاحواز حرة مستقلة بأذن الله.....

   كل هذه المآسي و وغيرها جعلت الاحوازي ينتفض في نسيان وبين الامس  واليوم كيف كان نيسان وكيف صار ؟

/* :شهر يشبه الحياة للاحوازيين فهو حلو و مر، تجدين فيه يوم الخامس عشر من نيسان سنة2005. الانتفاضة الاحوازية التي سطرت احلى و اروع الملاحم البطولية. للاحوازيين حينما خرج الشعب الاحوازي ،بشبابه وشيوخه ونساءه، واطفاله في كل انحاء الاحواز. متحديا ومنتفضا ضد الاحتلال وآلته القمعية و معلنا عن ثورته الجديدة التي استمرت حتى الان تشبه بركان يتفجر يوم بعد يوم حتى ينسف الارض بالكامل على رؤوس الظالمين ومن ثم كذلك نجد في نيسان العشرين يوم النكبة المريرسنة 1925 الذي اسَروا الشيخ خزعل الكعبي اخر امراء الاحواز فيه وسقط الحكم العربي في الاحواز بتورط بريطاني التي كانت القوة المسيطرة والمهيمنة بعد الحرب العالمية الاولى وتطبيقا لأتفاقية سايكس بيكو وما جرى بعدها من مصائب على العالم العربي والاسلامي، اصبحت ايران ومن ثم اسرائيل القوى المسيطرة في الشرق الاوسط واصبحت فلسطين والاحواز  كقرابين على اعتاب كنائس اليهود والمجوس ويشربوا نخب انتصارهم المزعوم باخذ الثأر

ان نيسان حلو ومر طعمه يشبه الحياة، ليس بالضرورة ان يكون بالمجاز،لا بل انه واقع حال الاحوازيين الذين ارتبطت حياتهم جوهريا بنيسان فهو يجمع افراحهم واحزانهم سوية حيث ينتظره  شباب الاحواز في كل سنة حتى يشحذ همتهم  بالصمود والعطاء. بعد ما اخذ منهم الحرية و الارض وسلمها للاحتلال. فهم يمقتونه من جانب و يحبونه من جانب، نعم انها مفارقة ولكن ذلك في عالم الثوار جائزو لأننا في زمن اللامنطق ، ولأنهم شعب المعجزات فقد صاروا اسطورة في الصمود. وها هو الاحواز ثائرا يوشك ان يجعل من شهر اخذ منه الحرية غصبا و جورا ان ان يخضع ويرجعها لهم .و يشارك الاحوازيين فرحتهم بعد ان سلبها منهم قبل تسعين عام.

 



التعليقات

  1. tunisian9 علق :

    شكرا هذه الفرصة الثمينة استاذ وشكراوعلى تشريفك لموقعنا بهذا اللقاء وهذا ليس غريبا عليك دمت بخير

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل