اطلق لها السيف لا خوف ولا وجل3

اطلق لها السيف لا خوف ولا وجل3

;}

هل أعاق وجود داعش تقدّم الثّوار إلى بغداد ؟ وهل أن مهمّتها هي إفشال الثّورة بعد اعتراف مسؤولين غربيّين بأنّها صناعة استخباراتيّة؟ام العكس؟

أسال موضوع داعش حبرا كثيرا، حتّى غدا هذا التّنظيم محور الاهتمام الأوّل للجميع رغم ما يكتنفه من غموض ولبس في الأذهان.

لقد عوّدنا الأمريكان إلى اعتماد التّهويل والحملات النّفسيّة كلّما أرادوا فرض عمل إرهابيّ تمارسه الإدارة الأمريكيّة في مكان معيّن من الأرض..

لم يشذّ أمر داعش عن تلك القاعدة، فقبيل اندلاع ثورة العراق المجيدة لم تحط وسائل الإعلام ولا المسؤولون السّياسيّون والعسكريّون داعش بمثل  هذه الهالة الإعلاميّة الواسعة.. بالمقابل ما عاد ممكنا أن تخلو نشرة إخباريّة في العالم أو تصريح سياسيّ من تناول الخطر الدّاهم لهذا التّنظيم الهلاميّ بعد التّاسع من حزيران الماضي ..

وجد الأمريكان وحلفاؤهم في داعش غايتهم لتبرير ضربهم للعراق مجدّدا خصوصا بعد التّقدّم المذهل الذي رافق ثورة العراق في التّاسع من حزيران الماضي.. ولمنع مزيد التّقدّم باتّجاه إنهاء الوجود الاستعماريّ وما ترتّب عنه على درب تحرير كلّ العراق سعت الدّوائر الامبرياليّة والصّهيونيّة والمرتبطون بهم من إيرانيّين ورجعيّات عربيّة إلى تشويه تلك الثّورة الغرّاء وتنفير النّاس منها وبالتّالي مزيد خنقها والتّعتيم عليها بانتهاج التّشكيك والأكاذيب سبيلا وحيدا لذلك.

فتثبيت الخطر الدّاعشيّ الدّاهم على شاكلة خطر القاعدة فيما مضى، يبرّر الحلف الكونيّ الجديد ضدّ العراق في تكرار سمج رخيص لادّعاءات إدارة بوش الصّغير عام 2003 لغزو العراق حتّى أنّ العالم صعق فيما بعد من كذب المجرم كولن باول في تقريره المخابراتيّ الشّهير الذي عرضه بمجلس الأمن لشرح خطر صدّام حسين ونظامه وأسلحة الدّمار الشّامل التي يمتلكها وعلاقته الوثيقة بأسامة بن لادن..

هذه الأسباب الحقيقيّة لتهويل داعش والإطناب في رصد أخطاره وتهديداته. ولكن يبقى التّساؤل الذي لم تجب عنه الإدارة الأمريكيّة وكذلك إيران والنّظام الأسديّ وكلّ المتدافعين لمحاربة داعش، هو لماذا لم نرصد كلّ هذه الجدّية والحماسة حيال داعش سوريّة طيلة سنوات نشاطها الثّلاث في سوريّة؟ وهل أنّ داعش لا تهدّد العالم إلاّ من خلال بعض عشرات العناصر في العراق؟

فداعش إذن، مجرّد شمّاعة اختلقها رعاة الإرهاب في العالم وعلى رأسهم الأمريكان لتعويق ثورة العراق أو حرفها عن مسارها وهو ما تفطّنت له سريعا العقول المسيّرة والمشرفة على قوى الثّورة العراقيّة وسبل عملها وملامح عملها وفعلها.

أمّا عن تقدّم الثّوّار باتّجاه بغداد، وكما جاء في سؤالكم أودّ هنا التّساؤل: " ألا يمكن أن يكون لبغداد ثوّارها ومقاوموها الذين حدّدت لهم قيادة الثّورة والمقاومة آجالا محدّدة للتّحرّك وللفعل حسب ما تقتضيه الخطّة الاستراتيجيّة لتحرير العراق؟ ثمّ ألا يمكن اعتبار المواجهات المفتوحة خارج بغداد في جدّ ذاته خطّة مدروسة لإنهاك القوّات الحكوميّة الإرهابيّة وبالتّالي يصبح تحرير بغداد واسترجاعها كاملة وهو عنوان النّصر الأكبر أيسر وأقلّ جهدا وعناء؟؟ "

القصد من هذه الإحالة، هو أنّ داعش زرعت وتضخّمت إعلاميّا لإرباك الثّورة برمّتها وإلهاء الثّوّار بمسائل جانبيّة وتأجيل قطف ثمار تضحيات ومكابدات أكثر من عقد من الزّمن وتأخير إعلان التّحرير الكامل والشّامل بإذن الله.. ولقد تمثّل ذلك الإرباك بفعل تصدّر داعش للأحداث في محاولة الإيحاء بأنّ ما يجري في العراق ليس سوى صراع طائفيّ لإفراغه من بعديه في التّحرّر الوطنيّ والانعتاق الاجتماعيّ وذلك بترميم ما خلّفه الغزو ومفرزاته من دمار نفسيّ واسع لدى عموم العراقيّين الشّرفاء..

هناك أمر في منتهى الخطورة والأهمّية لا بدّ من التّأكيد عليه هنا، ألا وهو طبيعة تركيب داعش وأدائها وتحرّكاتها، حيث يتوجّب الانتباه إلى أنّ داعش ليست بتلك الصّرامة التّنظيميّة التي يمكن من خلالها اعتماد أحكام معيّنة بشأنها.. فداعش وكما يعلم الجميع هي البديل للقاعدة المنتهية عمليّا، وبالتّالي يشكو هذا الجسم الغامض من كثير من الاختراقات من مختلف الأطراف. فكما توظّف الجهات المعادية للعراق وثورته داعش لارتكاب جرائم تثقل كاهل الثّورة، فإنّه من الممكن للثّوار أيضا أن يحيّدوا قطاعات من داعش وتحملها على توجيه الرّصاص لصدور العملاء والغزاة..

ولا يجب أن نهمل حقيقة ثابتة يعمد الإعلام إلى تغييبها ألا وهي أنّ داعش في العراق لا يمثّل أكثر من 5 بالمائة من إجماليّ مقاتلي العراق وثوّاره ومقاوميه، وهو بالتّالي لا يستحقّ كلّ هذه الهالة الإعلاميّة ولا كلّ هذا الاهتمام المبالغ فيه.

إنّ كلّ هذا، بالإضافة للمتابعة الدّقيقة والمتواصلة للوضع على الأرض يجعلنا حريصين على عدم الانخراط في الدّعاية الأمريكيّة الصّهيونيّة والإيرانيّة وحصر كلّ مأساة العراق وشعبه في خطر داعش فنقع في خطأين كبيرين وخطيرين هما إسقاط جرائم الاحتلال وفضاعاته التي لم يشهد لها تاريخ البشريّة مثيلا، وكذلك تقزيم منجزات ثوّار العراق ومقاومته الباسلة وبخسهم حقّهم المشروع والمكفول في كلّ الشّرائع والأديان السّماويّة والأرضيّة والقوانين والمواثيق والأعراف، حقّهم في الثّورة والمقاومة واسترجاع الأرض والذّود عن الحياض والأعراض..   

وبالعودة لبغداد، ورغم ما تكتسيه من أهميّة استراتيجيّة قصوى ورمزيّة كبيرة، فإنّ الاقتصار على تحريرها لا يعني بالضّرورة اكتمال مهامّ الثّورة.  بل إنّ السّيناريو الذي جهّزته الأدمغة المسطّرة لسير عمليّات المقاومة يفصح عن سيطرة علميّة ومنهجيّة عبقريّة على كلّ المسألة التّحريريّة..  وهو ما يعني أنّ داعش لا يقتصر دورها على تأخير تحرير بغداد بل تعويق كلّ المهامّ الثّوريّة التي تتوق لتحقيقها ثورة العراق المجيدة.

 

الأحواز واليمن ولبنان وسوريا والعراق والجزر الاماراتية  تحت أذرع إيران والبقيّة في الطّريق، ما موقفك من القضيّة الأحوازيّة وما يجري في باقي البلدان ؟

تحتلّ إيران الأحواز العربيّة منذ أواسط عشرينات القرن الماضي، وتحتلّ كذلك الجزر الإماراتيّة الثّلاث وهي جزر أبو موسى وطنب الكبرى وطنب الصّغرى. كما انتقلت إيران لاحتلال العراق بالوكالة عن الأمريكان بعد اندحار هؤلاء في 2011 وهي التي ساهمت قبل ذلك في تسهيل الغزو البربريّ للعراق باعتراف وزير الخارجيّة الإيرانيّ الأسبق، ولم تكتف إيران بكلّ تلك الأدوار التّآمريّة على العراق شعبا وأرضا، بل ارتكبت مجازر وجرائم تفوق جرائم النّازيّة بشاعة بحقّ شعب العراق بأن أطلقت العنان لميليشيّاتها الطّائفيّة وميليشيّات الأحزاب الدّينيّة العراقيّة المرتبطة بها بتقتيل العراقيّين على أسس مذهبيّة وطائفيّة، هذا دون أن ننسى العدوان الإيرانيّ الغادر على العراق طيلة ثمانينات القرن العشرين.

أمّا في ما يخصّ لبنان، فمن الواضح اعتماد إيران على حزب الله عينا لها فيه وذراعها الطّولى. إذ يعتمد هذا الحزب الطّائفيّ على شتّى أنواع الدّعم الإيرانيّ سواء كان ماديّا أم تسليحيّا أم بتزويده بالخبرات التّكنولوجيّة وغيرها وكذلك بتدريب الحرس الثّوريّ الإيرانيّ لمقاتليه. ويتعهّد هذا الحزب بتنفيذ أجندات إيران في المنطقة ويتحرّك وفق مصالحها..

لذلك نلاحظ انخراط حزب الله في القتال في السّاحتين السّوريّة والعراقيّة إلى جانب نظام دمشق وجوقة الجواسيس والعملاء في المنطقة الخضراء ببغداد.. وحتّى الحرب ضدّ الكيان الصّهيونيّ في تمّوز 2006 لم تكن حربا تحريريّة وإنّما كانت تحريكيّة بالأساس سعت من خلالها إيران لتحسين شروط تفاوضها مع الغرب حول ملفّها النّوويّ.

ولا يكاد الملفّ اليمنيّ يختلف في شيء عن لبنان، حيث نجحت إيران في إيجاد مندوب لها في صنعاء مستفيدة من حالة الجزر القوميّ الذي يعصف بالأمّة العربيّة عامّة واليمن خاصّة. وكان بالتّالي الحوثيّون صورة مطابقة للأصل لحزب الله، ولكنّهم تسلّحوا بجرأة أكبر ووقاحة أشدّ حيث استغلّوا ضعف الدّولة اليمنيّة والوضع القوميّ والإقليميّ فأمسى متاحا لهم التّمرّد على الدّولة اليمنيّة وإجبارها على القبول بمطالبهم الخيانيّة ( ولا توصيف لها سوى هذا ) والتي انحصرت في ضرورة تمكين إيران وشركاتها من فرص أكبر للاستثمار في اليمن بامتيازات عالية واستثنائيّة وفتح مكتب لحزب الله اللّبنانيّ في صنعاء وفتح معبر بحريّ خاصّ بهم، وتبقى إحدى أكبر الصّور إثارة تلك الصّور الصّفراء التي رفعها محتجّون حوثيّون كتب عليها " نحن الشّعب الحوثيّ ". وفي هذا السّياق لا بدّ أن يستوقفنا الموقف الرّسميّ الإيرانيّ الذي لا يخفي دعمه صراحة للتّمرّد الحوثيّ في اليمن بل ويشيد المسؤولون الإيرانيّون بسيطرة الحوثيّين المسلّحة على مفاصل كثيرة في الدّولة اليمنيّة..

لم يكتف الأخطبوط الإيرانيّ الفارسيّ بتمدّده في كلّ من اليمن ولبنان وما يثيره من قلاقل وبلابل في كلّ من البحرين وبقيّة دول الخليج العربيّ ، بل يسعى جاهدا لمواصلة التغلغل في الأردن وفلسطين ومصر والسّودان وأقطار المغرب العربيّ..

بطبيعة الحال، أفلح الإيرانيّون مبكّرا في إنشاء تحالف استراتيجيّ مع النّظام السّوريّ منذ سبعينيّات القرن الماضي خاصّة بعد انقلاب حافظ الأسد ومن معه واغتصابهم للحكم. فلقد استفادت إيران وقتها من النّزعة الطّائفيّة التي طبعت ممارسات الأسد ومن معه، وشكّل بالتّالي ذلك التّحالف أحد أهمّ نجاحات الفرس على حساب العرب وهو نجاح يرقى لمرتبة الخرق الاستراتيجيّ الأكبر للمنظومة القوميّة العربيّة بعد نجاح الصّهيونيّة العالميّة في فصل الجزء الشّرقيّ من الوطن العربيّ عن الآخر الغربيّ مثبّتة كيان الغصب الصّهيونيّ.

وكان من تداعيات ذلك التّحالف سيّئ الصّيت والسّمعة أن تخندقت دمشق وساندت نظام الملالي في طهران خلال عدوانه على العراق وتمادت في تلك السّياسة لتتمترس مع الحلف الثّلاثينيّ على العراق بقيادة الولايات المتّحدة الأمريكيّة فيما يعرف بحفر الباطن.

واستغلّ الإيرانيّون هذا التّحالف كأحسن ما يكون الاستغلال، ويعملمون منذ سنوات على تغيير النّسيج الدّيموغرافيّ والمجتمعيّ في سوريّة عنوة.. وبالإمكان أن نورد هنا أنّ إيران بتعاون من النّظام الأسديّ، أغرقت مدن دمشق وحاراتها بسكّان فارسيّين يزيد عددهم عن المليوني نسمة يتمتّعون بكلّ الامتيازات بل ويحظون بالتّبجيل والمفاضلة على حساب السّكّان الأصليّين.. طبعا، هذه من مكافآت النّظام الأسديّ لطهران وجيوشها التي ساهمت في الفتك بالشّعب السّوريّ وتقتيله في السّنوات الثّلاث الأخيرة.

وحريّ بنا التّأكيد هنا على اعتماد إيران في سبيل تحقيق مطامعها التّوسّعيّة على حساب الأمّة العربيّة على عامل الطّائفيّة وتأجيج الخلافات على ذلك الأساس. ويجب العمل للتّصدّي لهذه النّزعة بتأصيل المفاهيم وتوضيح الحقائق وعرضها للجماهير لأنّ المحرّك الرّئيسيّ للسّياسات الإيرانيّة هو محرّك قوميّ تسعى لإبرازه في شكل طائفيّ صرف فتتمكّن بالتّالي من تحييد معرقلات كثيرة.

هذه لمحة قصيرة عن الدّور الإيرانيّ في اليمن وسوريّة ولبنان والعراق وغيرها، وبالرّجوع للأحواز العربيّة فمن الطّبيعيّ التّذكير كما أشرنا لذلك في بداية جوابنا إلى رزوحها تحت نيّر الاحتلال الإيرانيّ منذ عشرينيّات القرن الماضي وهو الاحتلال شبه المسكوت عنه والمغيّب أصلا عربيّا ودوليّا.

فما يجهله أغلب الشّعب العربيّ، هو أنّ الإيرانيّين وبعد أن احتلّوا الأحواز عملوا على طمس هويّتها العربيّة بالكامل، وارتكبوا بحقّ شعبها جرائم ستظلّ وصمة عار على جبين الإنسانيّة تماما كجرائم الصّهاينة بحقّ شعب الجبّارين في فلسطين.

يعاني شعبنا العربيّ في الأحواز العربيّة من سياسات المحتلّ الإيرانيّ العنصريّة والموغلة في السّاديّة والإجرام، حيث تبقى الأحواز وشعبها أقلّ الشّعوب في إيران ( نقول الشّعوب الإيرانيّة لأنّ إيران مزيج من العرب وغالبيّتهم في الأحواز والفرس والبلوش ) انتفاعا بخدمات الدّولة من صحّة وتعليم ونقل وبنية تحتيّة وتنمية وغيرها.. ولا تتوقّف مظاهر العدوانيّة والعنصريّة عند الحيف الاقتصاديّ بل تشمل كلّ وجوه الحياة.

إنّه وككلّ الشّعوب المضطهدة في العالم، يسعى شعبنا العربيّ في الأحواز إلى التّحرّر من ربق الاستعمار والعيش بحريّة وكرامة، ويناضل أبناؤه من أجل طرد المحتلّ وتحرير أرضهم والتمتّع بخيراتها وتأسيس دولتهم ، وفي المقابل تخصّهم قوّات الاحتلال بسيل وافر من القمع والاضطهاد كالاختطافات والمحاكمات الجائرة ، وتسلّط السّلطات الإيرانيّة الحكم بالإعدام على كلّ من تسوّل نفسه من الأحوازيّين العمل على تعرية جرائم الاحتلال وتثوير شعب الأحواز واستنهاض هممه من أجل الاستقلال الكامل وغير المنقوص.

لا نبالغ في شيء حين نقول إنّ الاحتلال الإيرانيّ هو أحد أسوأ أمثلة الاحتلال والاستعمار في التّاريخ من حيث الإجرام  والعقيدة العنصريّة التي تحرّك دهاقنه تجاه المستضعفين..

ففي الأحواز العربيّة، تحرّم دولة الاحتلال الفارسيّ على المواطنين الأحوازيّين مثلا أن يطلقوا على  أبناءهم أسماء عربيّة، بل إنّ البلديّات وغيرها من الإدارات الرّسميّة وحتّى المدارس لا يسمح لها بالتّعامل ولا بقبول حاملي تلك الأسماء، وتنزل السّلطات بمن تجرّأ على كسر تلك القوانين المهينة عقوبات قاسية ولا إنسانيّة.. ويحجّر الاحتلال اعتماد اللّغة العربيّة في سعي بائس لتفريس عرب الأحواز وقطع كلّ روابطهم العربيّة. كما يٌحرم شعبنا العربيّ في الأحواز من أداء شعائره الدّينيّة  ويضطرّهم الاحتلال لتبنّي العقيدة الصّفويّة قهرا وعنوة وغصبا.

لا تكتفي سلطات الاحتلال بهذه السّياسات، ولكنّها تقتدي بالكيان الصّهيونيّ وممارساته على الصّعيد الدّيمغرافيّ فتعمد إلى إغراق الأحواز بسكّان فرس ولر وبختياريين   بالتّوازي مع تصعيد وتيرة نفي سكّانها الأصليّين بالقوّة أحيانا ودفعهم للهجرة هربا من ضروب الاضطهاد والتّمييز أحيانا أخرى.

إزاء هذه المظالم السّافرة والسّياسة العنصريّة للاحتلال الإيرانيّ تجاه شعبنا العربيّ في الأحواز، لا يمكن إلاّ أن نساند حركة التّحرير الوطنيّ فيها وننخرط في كلّ أشكاله ونقدّم له كلّ الدّعم والإسناد والمساندة.

ونحن، في تونس ملتزمون بدعم الأحواز العربيّة دعما مبدئيّا مطلقا لا تلكّؤ فيه ولا مخاتلة. هذا وتجمعنا روابط صداقات قويّة مع قيادات أحوازيّة كثيرة تقيم في تونس أو تتردّد عليها..

فمنذ سنتين مثلا، وخلال انعقاد إحدى المنتديات الاجتماعيّة والاقتصاديّة في تونس، قام رفاقنا الشّباب في حركة البعث في حركة نوعيّة تؤكّد المكانة الثّابتة لقضيّة الأحواز العربيّة ، برفع الرّاية الأحوازيّة وصور توثّق نضالات شعبنا العربيّ في الأحواز. ولقد كانت هذه الحركة النّبيلة والأصيلة سببا في صدام عنيف مع المشاركين من إيران ومرتزقتهم في تونس، وكان تقديرنا لمشاركتهم  - أي الإيرانيّين - سلبيّا بل اعتبرنا وجودهم خطأ فادحا وغير مبرّر.

فوقوفنا المبدئيّ إلى جانب الأحواز العربيّة، علاوة على كونه انتصار من منطلقات قوميّة وبعثيّة خالصة لمعاناة جزء أصيل من أمّتنا العربيّة، هو انتصار لقيمة الحريّة وحقّ الشّعوب في تقرير مصيرها ونبذ الاستعباد والاستغلال ونهب الثّروات. فالإنسان الحرّ لا يمكنه السّكوت عن المظالم وخاصّة إذا استهدفت شعبا بكامله.

 إيران تحاول بالتّغلغل الثّقافي أن تغزو تونس ومصر وليبيا وغيرها وبالاستثمارات والمساعدات ؟ والأموال التي تضخّها إلى أيّ مدى صار الوضع في تونس يشكّل خطرا ولماذا هذا الصّمت تجاهه؟ ولماذا لازال البعض يرى فيها دولة ممانعة رغم ما فعلته في سوريا والعراق؟

 

ما يميّز السّياسة التّوسّعيّة لإيران في الوطن العربيّ عموما هو أنّها تعتمد على أوراق عديدة ومتنوّعة حسب ظروف كلّ قٌطر عربيّ، وتتحرّك إيران وفق خطّة مدروسة ومحكمة لبلوغ أهدافها تلك.

من المعلوم أنّ لإيران حقدا دفينا تاريخيّا على العرب وهي تعاني أساسا من عقدة التّفوّق الفارسيّ المغلوط عليهم، لذلك تعتبر نفسها أولى من غيرها من القوى الإقليميّة والدّوليّة بتركيع العرب وإدخالهم لبيت طاعتها..

ولكنّها عمدت ، نظرا لاختلال موازين القوى مع الطّامعين الآخرين ، انتهاج تقيّة سياسيّة وديبلوماسيّة فسكتت عن أطماعها الحقيقيّة طويلا منتظرة دورها ومتحيّنة الفرص السّانحة لها باللّعب على المكشوف.

ولقد مثّل غزو العراق وإسقاط نظامه الوطنيّ أحد أهمّ الأحداث التي أجادت إيران تلقّفها وذلك لانشغال الأمريكان وحلفائهم بالمستنقع العراقيّ الذي اصطدموا به على غير توقّعاتهم، فعمدت إيران بالتّالي إلى غرز مخالبها في أكثر من قٌطر عربيّ.

ففي الجزء الشّرقيّ من الوطن العربيّ، ترتكز سياسة إيران على الاعتماد وجوبا وحصرا على الورقة الطّائفيّة مستفيدة من التّركيبة الفسيفسائيّة لتلك الشّعوب فتلجأ إلى استمالة طائفة بذاتها أو النّفعيّين والمأجورين المنتمين لتلك الطّائفة، وتقوم المغازلةعلى التّرغيب بإغداق المال وتمكين المنخرطين في أجندتها من اكتساب مهارات قتاليّة وعسكريّة جيّدة ومن ثمّ تتمّ عمليّات التّجنيد والتّأهيل لمهمّات زعزعة الاستقرار في المنطقة وبثّ الفوضى وشقّ الصّفوف وإغراقها في صراعات دمويّة لا حدّ لها ولا نهاية.

يحقّق هذا التّمشّي، وكما تدلّل عليه الوقائع اليوم على الأرض، تقدّما كبيرا إذا ما تحّدثنا عن لبنان وسوريّة والعراق واليمن والبحرين والسّعوديّة بدرجة أقلّ. 

أمّا في الجزء الغربيّ من الوطن العربيّ فتختلف سياسة إيران نظرا لاختلاف التّركيبة الاجتماعيّة لسكّان تلك المنطقة، فإذا ما استثنينا مصر وبدرجة أقلّ السّودان، فتعتبر المسألة الدّينيّة محسومة وغير قابلة على الأقلّ نظريّا على الاختراق من منطلقات الفتن الطّائفيّة ، ما يحيل إيران إلى استخدام ورقات أخرى مغايرة تعتقد الغالبيّة العظمى أنّ الواجهة الثّقافيّة هي الورقة الرّئيسيّة أو الوحيدة.. 

تسعى إذن إيران إلى استخدام الثّقافة واجهة جلاّبة لاستدراج متعاطفين يطغى عليهم تدنّي المستوى الثّقافيّ عادة، أو المستعدّين فطريّا للتّفويت في كلّ شيء حتّى أوطانهم مقابل حفنة من المال وجملة من الامتيازات. وكانت المسألة الثّقافيّة جسر العبور الذي استخدمته لتتمطّط داخل ليبيا وتونس والجزائر والمغرب.

وزيادة على الاشتغال بالثّقافة ممهّدا لمزيد استقطاب المؤيّدين والمناصرين لهذا الانفتاح المريب على إيران، فإنّها تسعى لاستغلال مسائل أخرى وخاصّة مسألة الأقلّيات في بلدان المغرب العربيّ، حيث يغدق الإيرانيّون العطايا على الحركة الأمازيغيّة وما يكتنفها من ملابسات وإشكاليّات..

وللتّغلغل داخل تونس، وعلاوة على استنجاد إيران بالورقة الثّقافيّة في البداية، فإنّ كثيرا من الجمعيّات المشبوهة تعمل على تمرير المخطّطات الإيرانيّة وتجاهر بالانتصار لهذا المشروع الخطير جدّا. فمن الطّبيعيّ إذن أن تضخّ السّلطات الإيرانيّة أموالا طائلة لهذا الحزام الجمعيّاتي والذي للأسف طال أحزابا عديدة في تونس فغدت فارسيّة الهوى واللّسان.

طبعا، الصّمت عن التّمويل الأجنبيّ للأحزاب أو ما يسمّى في تونس بالمال السّياسيّ الفاسد لم يقتصر على إيران فقط، بل سكتت السّلطات الرّسميّة عن كلّ الأموال الطّائلة التي تتدفّق على الأحزاب والجمعيّات من الشّرق والغرب لأسباب كثيرة ليس مجالنا الخوض فيها الآن لعلّ أهمّها ضعف الأجهزة الرّسميّة من جهة وغياب الإرادة السّياسيّة من جهة ثانية للتّصدّي لمثل هذه الاختراقات ، لكن يبقى ذلك الصّمت أمرا مخيّبا ومحيّرا لما له من تداعيات سلبيّة على الواقع السّياسيّ في تونس.

أمّا عن التّرويج لإيران كدولة ممانعة فلا نعلم حقّا ما المقصود بذلك وما هي أوجه ممانعتها و مجالاتها؟ فالقول بأنّ إيران جزء من الجدار الممانع فيما يقابل محور الاعتدال وهي مصطلحات أمريكيّة تمّ التّسويق لها في إطار التّبشير بالشّرق الأوسط الجديد في وسط العقد الأوّل من هذا القرن وتلك الظّروف معلومة وتمّ الحسم فيها، فيه تبنّي واضح للرّوايات والتّصنيفات الأمريكيّة دون تبصّر أو تدبّر..

لا بدّ من التّوجّه لعموم الجماهير الشّعبيّة في تونس لغرض تبيان حقيقة إيران وسياساتها وأطماعها في المنطقة.. ويقتضي ذلك تعرية حقيقتها الاستعماريّة لأكثر من قٌطر عربيّ كالأحواز العربيّة والعراق والجزر الإماراتيّة الثّلاث وجرائمها وتدخّلها في الشّؤون الدّاخليّة لبقيّة الأقطار العربيّة، فكثيرون لا يعلمون على سبيل الذّكر أنّ إيران تحتلّ أيضا جزيرة حنيش اليمنيّة وتقيم معسكرات للتّدريب وقواعد شبه عسكريّة في كلّ من الصّومال وجزر القمور، وهنا يصبح متاحا التّوجّه بالسّؤال لمن يعتبرون إيران من خطّ الممانعة عن تفسير مثل هذه السّياسات.

إنّ الحديث عن كون إيران دولة ممانعة، حديث غير منطقيّ بل ولا يستند لما يؤيّده واقعا، فإيران ليست معنيّة بالصّراع العربيّ الصّهيونيّ وهي الفِرية التي يستند عليها الموالون لإيران لترويجها، وما مسائل التّهديدات الغربيّة باستهداف إيران إلاّ ورقة تكتيكيّة لإيهام الرّأي العامّ بعداوة صهيونيّة إمبرياليّة لإيران.. وإلاّ فكيف يمكننا تصنيف إيران كدولة ممانعة كما لو أنّها جزء من العرب ؟؟ وكما لو أنّها أطلقت رصاصة واحدة طيلة تاريخها إلى غير الصّدور العربيّة؟؟

الممانعة الحقّة تمثّلها حركات المقاومة العربيّة والنّزعات التّحرّريّة في الوطن العربيّ الكبير بكلّ أوجهها السّياسيّة والثّقافيّة والمسلّحة، ولم تكن إيران يوما إلى صفّ هذه الحركات بل على العكس تعمل على محاربتها كما في العراق والأحواز العربيّة، وتسعى إلى تثبيت هياكل أخرى وجرّها إلى ما يعرف بسياسة المحاور والأحلاف. فليس خافيا أنّ إيران تتدخّل في شؤون حركات المقاومة في فلسطين بعد أن كبّلتها بعطاياها الماليّة لا لتقاتل العدوّ الصّهيونيّ ولكن لغرض تيسير التّمدّد الإيرانيّ في المنطقة والمتاجرة بدعمها الواهي للقضيّة الفلسطينيّة، وقد بيّنّا قبل قليل مسألة حزب الله اللّبنانيّ..

أن تكون إيران ممانعة كما يزعم الموالون لها والمنخرطون في برنامجها التّوسّعيّ داخل الوطن العربيّ لمزيد تخريبه وإلحاق أذى إضافيّ به، فذلك يقتضي بالضّرورة أن تعادي عمليّا أعداء الأمّة وهي أحدهم، لا أن يبلغ على سبيل الذّكر لا الحصر إجماليّ استثمارات الصّهاينة في إيران ما يزيد عن مائتي مليار دولار بالتّمام والكمال ولا أن يكون لها دور محوريّ في معاونة الغزو البربريّ للعراق وتسهيله والانخراط فيه فيما بعد.

إنّ إصرار قطاعات كثيرة على تبرئة إيران من تآمرها على الأمّة العربيّة هو بالمحصّلة ينبع من عمالة مكشوفة لنظام الملالي من جهة ولجهل بالوقائع من جهة أخرى وبحقيقة نوايا دهاقنة العدوّ الفارسيّ أحد ألدّ أعداء العرب تاريخا وواقعا ومسقبلا..

تحتّم هذه المشكلات على النّخب والطّلائع المثقّفة في الوطن العربيّ الكبير الانكباب على إزالة هذه الغشاوة ورفع اللّبس الحاصل واللّخبطة والخلط الشّائع في صفوف عموم الجماهير من حيث القفز على جوهر الصّراع القوميّ وذلك عبر تعمّد التّرويج لانتماء إيران للعالم الإسلاميّ ما يعتبره عرب إيران كافيا لنفي أطماعها التي لم تعد خافية على أحد إلاّ من أصرّ على المناكفة والمماحكة فقط لتبرير خيانته العظمى لعروبته ولأمّته.

 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل